آيات بينات

(قبس 64 ) وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ

بسم الله الرحمن الرحيم 

(وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ)([1])

[إبراهيم:5]

يبّين هذا المقطع من الآية احدى وظائف الأنبياء والأئمة (صلوات الله عليهم أجمعين) والقادة الدينيين ومن سار على نهجهم وهو تذكير الناس بأيام الله تعالى.

الايام كلها لله كما ان كل شيء في الوجود لله تعالى (لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) (البقرة/255) (وَلَهُ مَا فِي الْسَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) (النحل/52) (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ) (الأعراف/54) لكن الله تعالى يعلم ان الانسان يغفل وينهمك في تفاصيل حياته فينشغل عن مراجعة علاقته بربه فيحتاج الى محطات زمانية او مكانية أو فعلية تجدّد هذه العلاقة وتعطيها زخماً وحيوية جديدة فجعل اياماً وأمكنة ومشاعر وشعائر لتحقيق المزيد من القرب لربه والالتفات الى قضيته الكبرى، والله تعالى لم يغب عن عباده وعن خلقه لكنهم هم الذين يغفلون عنه (متى غبتَ حتى تحتاج الى دليل يدلُ عليك).

وهذه سيرة تعلّمها العالم المتحضر فجعل أياماً لقضاياه المهمة فيوم للأم ويوم للمرآة وآخر للعامل والبيئة ونحو ذلك لتجديد الاهتمام بهذه القضايا وإجراء مراجعة لطبيعة العلاقة معها وإلا فأن الاهتمام بهذه القضايا مطلوب على الدوام.

والسؤال ما هي الخصوصية في هذه الايام حتى أصبحت أيام الله؟ والجواب: لأنَّ هذه الايام شهدت بعض تجليات الله تعالى لخلقه بصفاته الحسنى.

ففي يوم ميلاد النبي (صلى الله عليه واله وسلم) وبعثته تجلت رحمة الله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) (الأنبياء/107) (قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ) (يونس/58) وفي يوم الغدير تجلت حكمة الله تعالى وشفقته على عباده.

وفي يوم عاشوراء تجلت عظمة الله تعالى حينما تستعظم ما قدمه الامام الحسين (عليه السلام) لله تعالى، وتجلّى حلم الله تعالى إذ لم ينزل نقمته وبأسه على الأشرار، ويتجلى ما يمنّ به على عبادّه المصطفين من التوحيد الخالص والفناء في محبة الله تعالى.

وفي يوم فتح مكة وعندما يظهر الحجة القائم (عجل الله تعالى فرجه) يتجلى نصر الله وفتحه على عباده المؤمنين، ويتحقق وعد الله تعالى (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور/55).

وفي اي يوم يتحقق فيه إنجاز للبشرية يسعدها ويرّفه حياتها ويخلّصها من معاناتها من الفقر او المرض او الخوف وغيرها تتجلى قدرة الله تعالى إذ زوّد البشرية بهذا العقل المبدع وما يتفق عنه من علوم حتى ألف مجموعة مــن علمــاء

الغرب كتاب (الله يتجلى في عصر العلم).

وحينما أغرق فرعون وجنوده وأهلكت عاد وثمود وصدام تجلت عدالة الله تعالى وإنتقامه، وإذا مات إنسان تجلّت صفة (القّهار) كما في الدعاء (الحمد لله الذي قهر عباده بالموت والفناء) وتجلّت صفة (الباقي) لله تعالى (فان أهل الأرض يموتون وأهل السماء لا يبقون) بحسب المروي عن الامام الحسين (عليه السلام) فالاحتفال بهذه الأيام واستذكار ما جرى فيها إنما هو امتثال لهذه الآية الشريفة وتجديد لذكر الله تعالى.

وقد تعدّدت الروايات في تفسير هذه الآية بمعاني متعددة إشارة الى هذه المناشيء المتعددة لتسمية الأيام بأيام الله تعالى فقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) قوله (أيام الله نعماؤه وبلاؤه وهي مَثُلاتُه([2]) سبحانه)وروي عن ابي جعفر الباقر (عليه السلام) قال (أيام الله عز وجل ثلاثة: يوم يقوم القائم،  ويوم الكرّة – أي الرجعة – ويوم القيامة) وعن ابي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال (ذكرّهم بنعم الله سبحانه في سائر أيامه)([3]).

اقول: بقية الآية ونهايتها تشعر بهذا المعنى قال تعالى (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) (إبراهيم/5)، فالصبر على البلاء والشكر على النعماء.

وقد يضيف الله تعالى بعض الأيام الى نفسه ليزيد فيها من عطائـه الخــاص

على عباده فيدعوهم الى ذكره ودعائه ليذكرهم برحمته وكرمه وعفوه ومغفرته (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) (البقرة/152) كيوم عرفة وشهر رمضان ومنها هذه الايام التي أطلّت علينا مع حلول شهر رجب المرجو لكل خير كما في الدعاء المستحب فيه يومياً (يا من أرجوه لكل خير وآمن سخطه عند كل شهر)، فقد شرّف الله تعالى هذه الايام وبارك فيها من الطافه ودعاهم الى التعرض لنفحاته (إن لله في دهركم نفحات الا فتعرضوا لها)([4])، أي تعرضوا لأسبابها من الأزمنة والامكنة والاحوال المختلفة لأن نفس النفحات من الغيب الإلهي ولا يعلمها العباد فكيف يتعرضون لها؟

فكل أيام هذه الأشهر الثلاثة (رجب وشعبان ورمضان) شريفة ومباركة وسنّ لها الأئمة المعصومون (عليهم السلام) أعمالاً مستحبة كثيرة، وتتلألأ خلالها أيام اشد نوراً وعطاءاً ومنها اليوم الاول من رجب وليلته، في الحديث الشريف عن الامام الصادق (عليه السلام) عن ابائه عن علي (عليه السلام) قال ( كان يعجبه أن يفرغ نفسه أربع ليالٍ في السنة، وهي أول ليلة من رجب وليلة النصف من شعبان وليلة الفطر وليلة النحر)([5]).

وفي الختام نقول ان الآية الكريمة تدعو جميع المؤمنين الرساليين أن يتأسوا بالأنبياء العظام والأئمة الكرام (صلوات الله عليهم أجمعين) فيذكرّون الناس بأيام الله تعالى، تلك الايام التي تربطهم بالله تعالى وتزيد معرفتهم به وتوثق علاقتهم بربهم.

 

([1] ) كلمة ألقاها سماحة الشيخ المرجع (دام ظله) في مكتبه يوم الخميس 28/ج2/1437 المصادف 7/4/2016 بمناسبة استقبال شهر رجب.

([2] ) من قوله تعالى (وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلاَتُ) (الرعد/6) أي النقمات التي تجعل من تنزل به مثالاً يرتدع به الآخرون.

([3] ) تفسير البرهان : 5/233.

([4] ) أنظر ملحق القبس (1) من هذا الجزء (وسارعوا الى مغفرة من ربكم).

([5] ) مفاتيح الجنان: 176 أعمال الليلة الاولى من رجب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى