القرآن و المجتمع المؤمن

ترتيب السور

وأمّا جمع السور وترتيبها بصورة مصحف مؤلّف بين دفّتين، فهذا قد حصل بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله)(1) انقضى العهد النبويّ والقرآن منثور على العسب واللخاف(2) والرقاع وقطع الأديم وعظام الأكتاف والأضلاع وبعض الحرير والقراطيس وفي صدور الرجال.

 

كانت السور مكتملة على عهده (صلى الله عليه وآله وسلم) مرتبة آياتها وأسماؤها، غير أنّ جمعها بين دفّتين لم يكن حصل بعد. نظرًا لترقب نزول قرآن على عهده (صلى الله عليه وآله) فما دام لم ينقطع الوحي لم يصحّ تأليف السور مصحفًا إلاّ بعد الاكتمال وانقطاع الوحي، الأمر الذي لم يكن يتحقّق إلاّ بانقضاء عهد النبوّة واكتمال الوحي.

 

قال جلال الدين السيوطي: “كان القرآن كتب كلّه في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) لكن غير مجموع في موضع واحد ولا مرتّب السور”(3). وقال الإمام الصادق (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): “يا علي! القرآن خلف فراشي في الصحف والحرير والقراطيس، فخذوه واجمعوه ولا تضيّعوه”(4).

 

وأوّل من قام بجمع القرآن بعد وفاة النبيّ (صلى الله عليه وآله) مباشرة، وبوصيّة منه (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الإمام علي بن أبي طالب (صلوات الله عليه) ثم قام بجمعه زيد بن ثابت بأمر من أبي بكر. كما قام بجمعه كلّ من ابن مسعود وأُبي بن كعب وأبي موسى الأشعري وغيرهم، حتى انتهى الأمر إلى دور عثمان، فقام بتوحيد المصاحف وإرسال نسخ موحّدة إلى أطراف البلاد، وحمل الناس على قراءتها وترك ما سواها. على ما سنذكر.

 

كان جمع علي (عليه السلام) وفق ترتيب النزول: المكيّ مقدّم على المدنيّ. والمنسوخ مقدّم على الناسخ. مع الإشارة إلى مواقع نزولها ومناسبات النزول.

 

قال الكلبي: “لمّا توفي رسول الله (صلى الله عليه وآله) قعد علي بن أبي طالب (عليه السلام) في بيته. فجمعه على ترتيب نزوله. ولو وجد مصحفه لكان فيه علم كبير” (5) وقال عكرمة: “لو اجتمعت الإنس والجنّ على أن يألّفوه كتأليف علي بن أبي طالب (عليه السلام) ما استطاعوا”(6)

 

وأمّا جمع غيره من الصحابة فكان على ترتيب آخر: قدّموا السور الطوال على القصار، فقد اثبتوا السبع الطوال (البقرة، آل عمران، النساء، المائدة، الأنعام، الأعراف، يونس) قبل المئين (الأنفال)(7)، براءة، النحل، هود، يوسف، الكهف، الإسراء، الأنبياء، طه، المؤمنون، الشعراء، الصافّات) ثم الحواميم (السور التي افتتحت بحم) ثم المفصّلات (ذوات الآيات القصار) لكثرة فواصلها. وهي السور الأخيرة في القرآن.

 

وهذا يقترب نوعا ما من الترتيب الموجود الآن على ما سيأتي.

 

نعم لم يكن جمع زيد مرتّبًا ولا منتظما كمصحف، وإنّما كان الاهتمام في ذلك الوقت على جمع القرآن عن الضياع، وضبط آياته وسوره حذرًا عن التلف بموت حامليه، فدوّنت في صحف وجعلت في إضبارة، وأودعت عند أبي بكر مدة حياته، ثم عند عمر بن الخطاب حتى توفّاه الله، فصارت عند ابنته حفصة، وهي النسخة التي أخذها عثمان لمقابلة المصاحف عليها، ثم ردّه عليها، وكانت عندها إلى أن ماتت، فاستلبها مروان من ورثتها حينما كان واليًا على المدينة من قبل معاوية، فأمر بها فشقّت.

 

المصدر:

كتاب التمهيد في علوم القرآن، سماحة الشيخ محمد هادي معرفة

 

1– قال السيد الطباطبائي: “ان القرآن لم يكن مؤلفًا في زمن النبي – ص- ولم يكن منه إلا سور وآيات متفرقة في ايدي الناس” (الميزان ج3/ص78-79).

2– العسيب: جريدة النخل إذا كشط خوصها. واللخف: حجارة بيض رقاق. والأدم: الجلد المدبوغ.

3– الإتقان: ج1/ص57، ومناهل العرفان: ج1/ص240.

4– بحار الأنوار: ج92/ص48/ح7 عن تفسير علي بن إبراهيم القمي.

5– التسهيل لعلوم التنزيل: ج1/ص4.

6– الإتقان: ج1/ص 57.

7– هذا في مصحف أبي بن كعب. لكنّها في مصحف ابن مسعود من الثاني، لأنّها تقل من المائة، آياتها: 75. راجع القائمة الآتية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى