مقامات قرآنية

لماذا كان الإسراءُ إلى بيتِ المقدس؟

 

 

المسألة:

لماذا كان الإسراءُ من مكَّة الى بيتِ المقدس؟

 

الجواب:

إنَّ بيت المقدس موضعٌ قدَّسه اللهُ تعالى وطهَّره وبارك ما حولَه، وفيه مصلَّى الأنبياء ومقابر العديد منهم ومحاريبهم والكثير من الآياتِ التي أظهرها اللهُ تعالى على أيديهم، فأراد اللهُ تعالى أن يُري نبيَّه (ص) كلَّ ذلك عيانًا ويُوقفُه على عظيم آياتِه في ذلك الموضع المُقدَّس كما قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾(1).

 

وكما يُمكن استفادةُ ذلك من مثل ما ورد في معتبرة أبان بن عثمان، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) قال: “لمَّا أُسريَ برسولِ الله (صلَّى الله عليه وآله) إلى بيت المقدس حملَه جبرئيل على البُراق فأتيا بيتَ المقدس وعرَضَ عليه محاريبَ الأنبياء وصلَّى بها، إلى أنْ قال: قال رسول الله (ص): إنَّ اللهَ جلَّ جلالَه قد أُسريَ بي إلى بيت المقدس، وأراني آثارَ الأنبياء ومنازلَهم”(2).

 

ولعلَّ من مناشئ الإسراء به إلى بيت المقدس هو أنَّ بيت المقدس وما حوله والطريقَ إليه كان معروفًا لدى بعض العرب ولا سيما بعض تجَّار قريش التي كان لهم رحلةٌ إلى الشام في كلِّ عام، فإذا أخبرهم أنَّه قد أُسريَ به إلى بيت المقدس أمكنهم التثبُّت من صدقه بسؤاله عن كلِّ ما يعرفونه عن بيت المقدس وما حوله والطريق منه وإليه فإنَّ مطابقة جواباتِه مع ما يعرفُه بعضُهم عن خصوصيات بيت المقدس يقتضي إذعانهم بصدقه خصوصًا وأنَّه لم يُعرف عنه أنَّه قد ارتاد ذلك الموضع، ويُمكن التأكُّد من صدقه بإخبارهم عن أحوال قافلتِهم التي ما تزال في طريقها من الشام إلى مكَّة.

 

والذي يُؤكِّد ذلك أنَّه حين أخبرهم عن الإسراء به إلى بيت المقدس “قال أبو جهل قد أمكنتكم الفرصةُ منه، فاسألوه كم الأساطين فيها والقناديل؟ فقالوا: يا محمد إنَّ ههنا مَن قد دخل بيت المقدس فصِفْ لنا كم أساطينَه وقناديلَه ومحاريبَه؟”(3).

 

فلو أنَّه قد أُسريَ به إلى موضع لا يعرفونه لأمكنهم الاحتجاج عليه بأنَّه: كيف لنا أنْ نتبيَّن من صدق دعواك ؟ إلا أنَّه حيثُ كان الإسراء إلى موضعٍ يعرفُه بعضُهم فإنَّ إمكان التبيُّن من صدقه يُصبحُ مُتاحًا لهم، فإذا طابَق وصفُه لما يعرفونَه عن بيت المقدس فإنَّ ذلك يقتضي تصديقه فيما يُخبر به بعد ذلك عن المعراج خصوصًا وأنَّه قد أخبرهم عن أحوال قافلة قريش العائدة من الشام، وإمكانُ الوقوف على صدقِه في ذلك لا يسترعي منهم أكثر من انتظار وصول القافلة وسؤالها عمَّا كان قد أخبرهم به عنها، وبذلك صار الإسراءُ إلى بيت المقدس هو الوسيلة لإثبات صدق النبيِّ (ص) فيما أخبر به عن المعراج.

 

والحمد لله ربِّ العالمين

 

الشيخ محمد صنقور

1– الإسراء / 1.

2– الأمالي – الشيخ الصّدوق: 533.

3– الأمالي – الشيخ الصّدوق: 533.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى